عفيف الدين التلمساني

278

شرح مواقف النفري

وجهه ، فما ثم اثنان ولا يمكنه أن يصرح بأكثر من هذا . والمراد بقوله : « عن وجه كل شيء » أي عن حقيقة كل شيء ، وخص ذكر الوجهية ليشعر بأن المراد حضرة الشهود ، وكل شيء فيها هو وجه أي مواجه من حيث لا تغاير ، ثم أشار إلى حضرة الحجاب بقوله : « وعن ظهر كل شيء » ، أي عن حقيقة كل شيء في عالم الحجاب وبالنسبة إلى نظر أهل الاغتراب فجعل ذلك ظهرا فكان حال العبد بقوله له فما حكم هذه الحقائق في عالم الحجاب فقال : « هي متعلقة بالأمر والنهي » يعني بالشريعة المطهرة ، فاعلم ذلك . قوله : ( وقال لي : انظر إلى وجهي ، فنظرت . فقال ليس غيري . فقلت : ليس غيرك ) . قلت : نظره إلى وجهه يستغرق نظره إلى كل شيء ، ولذلك قال في التنزل الذي قبل هذا « وكشف لي عن وجه كل شيء فرأيته متعلقا بوجهه ، قال لي : ليس غيري فقلت : ليس غيرك » . وليس المراد هنا هو أن يقول ليس وجهي غيري ، بل المراد « ليس غيري » أي ليس الوجود غيري . قوله : ( وقال لي : انظر إلى وجهك ، فنظرت . فقال ليس غيرك ، فقلت ليس غيري ، فقال اخرج فأنت الفقيه ، فخرجت أسعى في الفقه وصحّ لي قلب العين فقلبتها بالفقه وجئت بها إليه ، فقال لا أنظر إلى مصنوع ) . قلت : اعلم أن فهم معنى هذا التنزل سهل والتعبير عنه صعب ، وهو متعلق بالذي قبله ، وحاصل الأول أنه نظر إلى وجه الحق بالحق فلم ير غيره . وفي التنزل الثاني نظر العبد إلى وجه نفسه أي إلى حقيقته فرآها ليست غيره ، لكن إنما رآها بعين الحق وهنا بحر . ومن لطائف هذا البحر أنه لما نظر إلى وجه نفسه بعين الحق فلم ير غير نفسه فإنه شهد حضرة الربوبية فيطويه في حضرة الإنسانية الشاملة للحضرتين : حضرة الربوبية ، وحضرة العبودية . فإن حضرة الإنسانية أوسع دائرة من الحضرتين المذكورتين . وإذا تقرر هذا فنقول : إنه لم ير الحضرتين غيره ، فقال ليس غيري ، وإنه في التنزل الأول لما نظر إلى وجه الحق بالحق لم ير غيره لا بالوجه الذي نظر به إلى نفسه ، فإذن ذلك الوجه كان النظر إلى حقيقته الإنسانية . وهذا النظر هو نظر إلى حقيقة أحدية الجمع المساوقة في الموازاة للمرتبة الإنسانية ،